غزانا الملل
انا
و هو و الصمت . لن اصفه بانه صمت ثاقب للاذن كما يفعل كتاب الروايات ذوى الحياوات
الصاخبة فلم يثقب اذنى حتى الان و قد عشت
فيه سنين .لكن كل ما اعرفه هو اثر الصمت المعذب فى نفسى .. التوق لكلمة تفسر ذلك
السكون المميت الذى كان بمثابة دعوة لشياطينى و هواجسى للانطلاق احرار فى عقلى
يلوثوه و يشوهوا افكاره و ليهدموا ثقة اخذت الكثير من الوقت و العناء فى
بنائها
جلست
انا بجانب النافذة كعادتى احاول استرجاع صورة البحر الذى كنت اراه قبل ان تنتشر
تلك المبانى كالوباء نامية من كل حد و صوب قاطعة عن منزلى العجوز ذو الثلاث طوابق
الاتصال بالعالم الخارجى كما قطعته عنا نحن ايضا فهوالان يجلس فى ابعد مكان عنى
... فى الركن المظلم من الغرفة يثقل الهواء بدخان اصبحت انا الاخرى مدمنته رغم
رفضى الاعتراف بذلك فمازلت حتى الان احاول التذمر من رائحته و كميته فقط كمحاولة
لخلق حوار و لكن سرعان ما يجهض هو محاولاتى فيتركنى بلا شئ لتشتيتى عن مشاكلى سوى
الدخان . فاراقبه جيدا اتامل ثنياته مع الهواء كانها رقصة كانما حرر هو النيكوتيت
ليرقص محتفيا بحريته
و
لكن كفانى تشتيتا لنفسى كفانى تظاهرا بانى بخير .. نحن لسنا بخير فلقد غزانا الملل
.... اغتصب حياتنا مسلحا بالاكتئاب الذى لم استطع تفادى سهامه الفعالة التى ابطلت
مفعول سهام عشق قد زرعت فى صدرى يوما . و
فى صفه اميتى التى لطالما منعتنى من مناقشة كتاب معه او مجادلته فيما يحب من امور
السياسة .
لقد
غزانا الملل و لم يكن رحيما فوقعنا من الحب و جوفت حياتى تجويف على تجويف حتى
اصبحت خاوية تماما . جسد بلا روح تسكنه, فقد ماتت روحى فى حرب كنت فيها عازلة
هاجرة جسدى ليعذبه المنتصر.
لم
نعد ننظر لبعض الا كل حين يرمينى بنظرات حيادية غير مفهومة فانظر له من تحت رموشى
متمنية لو تاتينى قوة سحرية تجعلنى اعرف
ما يدور بهذا الرأس . و والله لولا التزامى بالدين لكنت قضيت فراغ وقتى مغيبة ..
لعلى اكتسب الجرأة فى مرة لابوح عما قد سكتت عن الاشارة عنه منذ سنين .
يقول
انى لم اعد جميلة و هو على حق فانا لم اعد بنت العشرين التى كان يحلم بها شباب
منطقتها و تحسدها الفتيات و التى فتنته برقتها لدرجة جعلته يتفادى عيوب جهلها انما
انا الان عجوز فى الستين قد زاد وزنى و زحفت على وجهى تجاعيد تسجل مشاكل و هموم
الحياة . و لكنه لم يعد وسيما هو الاخر فاصبح بطنه مكور كبير و اطلق لحيته البيضاء
قليلا لتخفى معالم وجهه الذى و كانما قد سقط فى استسلام للجاذبية بخلاف عينيه التى
قد ارتسمت تحتهما اهلة سوداء من السهر و
القهوة .
اعرف
لما يسهر و هو يعرف انى اعرف و لكننا اتفقنا دون ان نتفق على التزام الصمت . على
التعايش مع الاخر و كانه هواء و ليس حتى دخان فكلانا يهتم بالدخان اكثر من اهتمامه
بالاخر
قطع
افكارى برميه اياى احدى نظراته المعتادة لادافع انا عن نفسى باحتضان جسدى فى
محاولة اشبه بمحولة النعامة فى التخفى . الجو بارد هنا و الهواء يهز اجراس الرياح
القديمة المتربة لتصدر صوتا دعانى للابتسام , صوتا قد ذكرنى بايام حسبت انها ستدوم
و لكن القدر سلبنى اياها و لم يترك لى سوى التمنى .
فاتمنى
... اتمنى لو يعود بى الزمن لاكون شابة من جديد انزع قيود الجهل عن عنقى لاتفادى
هجوم الملل او حتى لارتبط بشاب اوسم ..اتمنى ان تعود ايام كنت فيها ملكة الدنيا او
اتمنى ان يسقط السقف الان فيريحنى من التمنى عديم الجدوى ... اتمنى لو ارى تيتر
اتهاية لفيلمنا الممل فاقد الدعاية .

Comments
Post a Comment