سنة رحيل الفراش: رسالة أخيرة لجدو
21.8.2018
،جدو حبيبي
كان القمر مجرد بقعة بيضاء في السماء حتى أشرت بيدك إليه وقلت اي أنه القمر. والكلام كان نقوش بلا معنى إلى أن علمتني معناه وبقيت معي أكبر ويكبر معي معنى الكلام. حتى الحب يا جدو كان تائهاً في مكان ما حتى وجهته إلي.
أحبك كثيراً.
أحبك
فأتناسى أيامنا الأخيرة، المرض وعيناك الزائغتان في ضباب من الألم لا يراه غيرك
ولا يعرف صداه غيري. والسرير الذي بات ملتقاتا بعد أن كنا نطارد خطوط الشوارع في
الخرائط ولم يكن ليسلم منا خط مواصلات. أتناسى الخوف الذي تحمله كلمات كل
محاداثتنا خشية أن تكون الكلمة المقبلة هي التامة والأخيرة.
أحبك أكثر
مما تعرف، أكثر مما أظهرت وأكثر من " ملايين وبلايين الشموس" التي كنت
تذكرني بها كلما كلما نسيت صغري. تذكرني أن كلانا نقطة صغيرة تدور حول شمس من وسط
بلايين الشموس التي لا ندري عنها شيئ. أحببت الشمس يا جدو فأحبتك، كانت حامية بحق
يوم رحلت وكأنها تريد أن تودعك هي الأخرى قبل أن تغيب عنها وعني. ولا أخفي عنك
أمراً، أعتبرت حدتها علامة بإن طريقك للسماء منير تماماً كما تستحق وأعذرني أنني
أدقق في التفاصيل أكثر مما تحب ولكنني في غيابك أتشبث بأي أمارة تطمئنني حتى وإن كانت
تلك الأمارة النور الذي يغرق الدنيا كل يوم.
في يوم مشمس
آخر، كانت عيناك ما تزالان مفتوحتين والألوان تحت نظرك تهتز بالحياة. كنا نجلس على
ركنتك بجانب الكتب أمشط شعرك الفضي بلا توقف بينما تسرد بصوت خافت ونفس متلاحق كيف
يحب الله من يحب ملاقاته. انت الذي خُلقت الدنيا من أجله، انت الذي تعرف معنى الحب
وتختار بعناية كلمات شعرك وتعزف العود فتعلم الدنيا كيف تنصت وتحب السكر بجنون
وتخبز وكأنها مهنتك التي أحترفتها من خمسين سنة بينما أجلس أنا بجانب الفرن الدافئ أحاول تقليدك، أصنع من العجين حبات صغيرة وأنظر في عينيك بعد كل مجموعة أنتظر منك نظرة المدح بلا
كلام. أنت الذي سلكت طرق الدنيا بيقين ثابت يلهمني حتى الآن لأبقى على قيد الحياة
تحدثني عن الرحيل ببساطة الحديث عن الطقس.
تتكلم عن الجنة وعن جمال مجاورة الرب وأنا لا
أستوعب سوى أنني لا أعرف أي من خطوط مواصلاتنا يأخذني إلى الجنة لأراك. لا أعرف
سلم عالي كفاية لأصل لسماء أقابلك فيها، ولا أعرف طريقة أخترق بها سبع سماوات.
فأنكر النهاية، أكذب بيانات الوداع ودلائل
الختام وأبقى ممسكة بيدك بين راحتاي أسمع منك أرق الأشعار عن عصفور تربص له الصياد
وانتظر نومه لينهيه. لماذا يا جدو يدور الكلام ويدور ليعود للنهاية مجدداً. أريد
فقط أن أغني مع عودك قبل أن نعود لنفرد التاريخ أمامنا بساط اللقاء، ونسكر باب
الكلام بالحديث عن الله.
عرفت الله
معك يا جدو عندما سمعتك تتكلم عن رحمته. أحببته
لأنك وضعت يداي في يده وزرعت صورته في قلبي فصار كل ما أحب ملكه حتى انت.
أحببت الله لأنك علمتني من خلاله معنى الأبدية وأعدت شرح الفلك لي وكأنما تخيط
العالم على مقاس إدراك طفولتي أحببت الله لإنك حدثتني عن المعجزات وأحببت الله
لإنه ربطنا ببعض. لإن حنانه أجرى في عروقنا نفس الدماء وجعلك من أسباب تشكيلي
الآن.
وددت لو
أغرق في دموعي يوم رحلت. وددت لو أن حدث عنيف يحدث لي يضاهي عنف شروق الشمس على
أرض لا ترافقني فيها. أو أن لمعجزة من معجزات الأنبياء التي همسناها في بلكونة
المطبخ الصغيرة تحت بقايا نور أعمدة الإضاءة المتسلل أن تعيدك إلى حضني بلا موت،
بلا وقت بلا أسود بلا شواهد أو قبر لا يليق بذكراك قبر لا يستوعب حجم الحياة التي
كانت عيناك تبسطها لن يستوعب عودك ولا أجد فيه وسادة تحمل رأسك المتعب. أعلم أنك
تعبت وودت لو أريح أنا رأسك في يدي فإن اخترت مستقر تحت الأرض حضرت كشاكيلنا
والكتب ورافقتك أينما أردت ولكنه لم يكن إختيارك أو إختياري يا جدو. ولكن لا تقلق
أنا بجانبك سأساعدك في الرد على أسئلة الملائكة إن تركوني وسأقرأ لك وأصلي عسى أن
ترافقك صلاتي إلى حيث لا أستطيع أن أكون.
لنكن أكثر
شاعرية كما عهدنا، أنا ما زلت في الشرنقة، وأنت اليوم الفراش الذي طار ليجد مساره
وسط الزهور. يقولون أن الجنة مليئة بالزهور وأنت تعرف كم أحبها أتمنى لو تتذكرني
هناك كلما رأيت ورد بلدي كما أذكرك وأعطر دنياي باللافندر الذي تحب حتى إذا جاء
طيفك ابتسم وأحس أن البيت ما زال بيته. سيظل أي مكان أطأه بيتك يا حبيبي.
...
ولدت بجانب
البحر طفل بشعر كثيف تضفره لك أمك. تصنع زوارق الورق الصغيرة وتبعثها إلا حيث لا
تعلم. تقف حافياً على رمل "بحري" مرفوع الرأس تتحدى الأفق لأنك تعرف
حقيقته. أختارت رئتاك هواء البحر نفسهما المفضل حتى أنها حاولتا محاكاته. كانوا
يحاربون لإبقاء رئتيك بلا ماء ولكنهما أرادتا العودة إلى حيث انتميت.
في عيد
السماء الأسبوعي تودع عيناي حبيبي. ترسم صورك والشمس عالية فوقنا ونحن نتمشى ويدك
أمان يدي الصغيرة، كراسات الشعر والكتب التي كنا نشاركها القلم الذهبي الذي
أهديتني يوم التحاقي بالجامعة. نصائحك لي دعائنا سوياً .
أرثوك
وترثوك الزوراق الصغيرة ببحري ترثوك الكتب التي تركت لي والأقلام التي تحدثت بها
في كشاكيلك. ترثوك الروائح الجميلة الافندر على وجه الخصوص والبخور. يرثوك قلبي
ويبقى مكانك فيه فارغاَ مطرز بالأدعية مطعم
بحب جاء خصيصاً لأجلك.
عزائي في
ذلك الحب الذي ورثت منك يفيض بقلبي. لا مكان للأسود بيننا يا جدو.
أحارب وحشتك
بالكلمات التي علمتني وأقف أمام الليالي المظلمة من دونك أمام الهم الذي يعتصر
بطني ويوقف نفسي مدرعة بقصائدك والالحان. أعدك بأن أظل ابنك الصالح في الدنيا
ووردتك كما كنت تدعوني.
الآن أستطيع
أن أضع وجهاً لساكن من سكان الجنة المنعمين. الآن يمكنني تمييز صوت من أصوات
ملائكة غرفتي.
أتمنى أن
تصلك أدعيتي لك إلى أن ألقاك أخيراً يا حبيبي.
مع كل
المحبة
بنتك صاصي.

Comments
Post a Comment