ظل و ضوء
وقفتْ فى ظلامٍ لا تتخلّله سوى أشعة الفجر المتمرّدة، التى قد تسرّبت من فتحات الشيش، لتسطر عيوب جسدها العاري وتفضح ما حاول اللّيل أن يخفيه. وليثبت لها درسًا لطالما عجزت عن فهمه، وهو أن الظلام لا يدوم.... ما يُولد فى الخفاء سيأتى يومٌ و يظهر فيه، و لن تكون صدمة الظهور بسهلة: سيظهر بلا إنذارات، فجأة ليكون غريبًا منبوذًا.
كاذبٌ من علّمها وعلّم غيرها أن الصمت قد خُلق للراحة فهاهى الساعة بدقّاتها الرتيبة كمطرقة تدق رأسها لتذكّرها بما تُضيع من عمرها فى الحسرة والبكاء على اللبن المسكوب، على فقدان كل ما كان يميّزها يومًا عن غيرها من سائر الخلق الذين أصبحوا الآن نخبة من النُسَخ.
اصول تافهة فارغة تُنسخ، ويُنسخ من نُسَخها حتى بات العالم بالأبيض والأسود، حتى مساكنهم لم يعد فيها ما يُلحظ، لم يعد فيها ما يلفت الأنظار. كلها نسخ قد ساعد فى طبعها و تكوينها الجهل.
وقفت هى تشاهد العالم من خلف فتحات الشيش بلا حراك وصدرها ملتصق بالخشب البارد المبتل أثر ليلة عاصفة.. راقبت الناس.. كل هائمٍ على وجهه يراقب الآخر بنظرات لم تعتاد رؤيتها على الملأ، كان الحقد واضح بينهم حتى إذا وقع أحدهم لا تجد من يساعده، كل ذلك كان جديدًا غير معتاد.... ربما هو أثر المياه الملوّثة أو دخان السجائر الذى أصبح الجميع مدمنها.. لم لا نقول أنها نظرات نتجت عن هواجس قلّة النوم، بسبب الإفراط فى شرب القهوة الذى أصبح كالوباء؟
واتضّح لها أن النظر فى الخارج لم ولن يُزيدها سوى كآبة، فقرّرت الاتجاه لكآبتها الشخصية، مرآتها المحطمة والأوراق الميتة على الأرض، تسجّل فشلها فيما كانت تتميز به يومًا، كتبٌ على الأرفف لا تتذكر منها حرفًا، و صور كانت لها مهمة التزيين إلا أنها أصبحت لا دور لها سوى أن تُشعرها بالندم. أفكارها غير واضحة، تهرب منها كسمكة تهرب من صيادها، وأنفاسها سريعة متلاحقة، تجدها تلهث كمن كان يجري ليلحق بقطاره.
لقد كانت تجري بالفعل، قضت سنوات عمرها فى الجرى وراء اعتقادات وحماقات.. أبسطها أن النور هو رمز النقاء والحرية، بينما الظلام هو ممثل الشر. النور الأبيض ليظهر بصورته تلك يحتاج إلى سبعة ألوان أخرى يلتحمون ليكوّنونه. أما الاسود فهو يمثل النقاء والطبيعة فهو لون الفضاء، بلا أىّ من مزيّناته من النجوم أو اللهب أو غيره، الظلام يمتصّ العيوب ويداريها حتى لو بصريًّا، ويقوِّى الأحلام والأوهام وما هؤلاء إلّا سببًا يعيش من أجله أناس قد (صدّقوها).
وبما أن الدنيا أصبحت مليئة بالعيوب، فلا حل سوى التطهير: ثقب أسود كبير يبتلع النسخ الآدمية والنور مُصطَنع النقاء , والشهادات عديمة الجدوى، والكتب غير المفيدة وينتهى بابتلاعها هى...ليعيش كلٌّ على سجيّته، مدركًا أنه لن يَرى أو يُرى فى الظلام

Comments
Post a Comment